الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

مختصر الامثل

وفي البند السادس ينهى عن كتمان الحق : « وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ » . البند السابع والثامن والتاسع من هذه الأوامر يبيّنه قوله تعالى : « وَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ » . إنّ الآية لم تقل « أدّوا الصلاة » بل قالت : « أَقِيمُوا الصَّلَوةَ » . وهذا الحث يحمّل الفرد مسؤولية خلق المجتمع المصلي ومسؤولية جذب الآخرين نحو الصلاة . إنّ تعبير « أقيموا » إشارة إلى إقامة الصلاة كاملة ، وعدم الاكتفاء بالأذكار والأوراد ، وأهم أركان كمال الصلاة حضور القلب والفكر لدى اللَّه سبحانه ، وتأثير الصلاة على المحتوى الداخلي للإنسان . هذه الأوامر الأخيرة تتضمن : أوّلًا بيان ارتباط الفرد بخالقه ( الصلاة ) ، ثم ارتباطه بالمخلوق ( الزكاة ) ، وبعد ذلك ارتباط المجموعة البشرية مع بعضها على طريق اللَّه . أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَ فَلَا تَعْقِلُونَ ( 44 ) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( 46 ) الآية الأولى من الآيات التي يدور حولها بحثنا خطاب لعلماء اليهود ، وبّخهم اللَّه تعالى على ما كانوا يفعلون من أمر الناس بالإيمان بمحمّد صلى الله عليه وآله وترك أنفسهم في ذلك . لذلك كانت الآية تحمل توبيخاً لهذا العمل : « أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ » . منهج الدعاة إلى اللَّه يقوم على أساس العمل أوّلًا ثم القول ، فالداعية إلى اللَّه يبلّغ بعمله قبل قوله ، كما جاء عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام : « كونوا دعاة الناس بأعمالكم ولا تكونوا دعاةً بألسنتكم » « 1 » . علماء اليهود كانوا يخشون من انهيار مراكز قدرتهم وتفرق عامة الناس عنهم ، إن اعترفوا برسالة خاتم الأنبياء ولذلك حرفوا ما ورد بشأن صفات نبي الخاتم في التوراة . والقرآن يحث على الاستعانة بالصبر والصلاة للتغلب على الأهواء الشخصية والميول

--> ( 1 ) بحار الأنوار 5 / 198 .